الشيخ السبحاني
71
مفاهيم القرآن
وإلى ذلك تهدف الآية التالية : « ومَا أَرسَلنا مِن رَسُولٍ إلّا بلسانِ قَوْمِهِ ليُبيّنَ لَهُم فَيُضُلُ اللَّهُ مَن يَشاءُ وَيَهِدي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيمُ » ( إبراهيم - 4 ) ومفاد الآية أنّه سبحانه لم يجر في بعث رسله مجرى الاعجاز وخرق العادة ، ولا فوّض إلى رسله من الهداية والضلال شيئاً ، بل أرسلهم بلسانهم العادي الذي يتحاورون به كل يوم مع أقوامهم ليبيّنوا لهم مقاصد الوحي فليس لهم إلّا بيان ما أمروا به وأمّا الغاية من بعثهم ، أعني الاهتداء فهو بيد اللَّه سبحانه ، لا يشاركه في ذلك رسول ولا غيره . وعلى ذلك فليست في الآية دلالة ولا إشعار بلزوم اتحاد لغة الرسول مع لغة من ارسل إليهم ، حتى يلزم منهم اختصاص دعوته - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - بقومه . إذ الآية تصرّح بلزوم موافقة لغة الرسول مع لسان قومه ، لا اتّحاد لغته مع لسان كل من ارسل إليهم ، كما هو أساس الشبهة ، ومن الممكن المتحقق أن يكون المرسل إليه أوسع من قومه كما هو الحال في ثلّة جليلة من الرسل ، فقد دعا إبراهيم عرب الحجاز إلى الحج ، والوفود إلى زيارة بيته ، وأمر سبحانه كليمه بدعوة فرعون إلى الإيمان به ، ودعا نبيّنا امّتي اليهود والنصارى إلى الإيمان برسالته ، فآمن منهم من آمن . وبقي منهم من بقي . مغالطة أخرى حول الآية نرى بعض من فسّر الآية بأنّ مفادها : « أنّ كلّ رسول من اللَّه يوافق لسانه لسان من ارسل إليهم » ، جاء بمغالطة شوهاء في مفاد الآية ، وقال : إذا كان معنى الآية ما ذكر فهو ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا ، من لا يوافق لسانه لسان من ارسل إليهم ليس رسولًا منه سبحانه . فلو فرضنا أنّ نبيّنا - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - كان مبعوثاً إلى العالمين كلّهم مع اختلافهم في اللسان ، يلزم منه كونه غير مبعوث من اللَّه سبحانه أصلًا . وعلى الجملة : تنتج عالمية رسالته ، وسعة نطاق دينه ، كونه غير مرسل من جانبه عزّ وجلّ . ومنشأ هذه المغالطة ما تخيّله المغالط من مفاد الآية ، إذ ليس مفادها ما تصوّره من